لماذا كُلِّف الإنسان بالخلق والعمل؟
لماذا كُلِّف الإنسان بالخلق والعمل؟
دراسة كابالية في معنى الجهد، الاستحقاق، وعيب العار
منشور تعليمي – فلسفي
مدخل السؤال: لماذا لم نُخلق كاملين منذ البداية؟
من أكثر الأسئلة عمقًا في الفكر الكابالي:
إذا كان الغرض من الخلق، ومن التوراة، ومن جميع الوصايا، هو رفع الإنسان وكل الخليقة إلى مقامٍ رفيع من السمو والالتصاق، فلماذا لم يُخلق الإنسان أصلًا في تلك المرتبة العالية؟
لماذا لم يبدأ الخلق من الكمال بدل أن يُلقى الإنسان في عالم العمل، والتعب، والتجربة، والستر، والصراع الداخلي؟
هذا السؤال لا يُعدّ اعتراضًا، بل هو مفتاح لفهم أحد أعظم أسرار الحكمة الكابالية: سرّ الاستحقاق، وسرّ الفرق بين العطاء المجاني والكمال المكتسب.
إرادة الإحسان: الأساس الأول للخلق
تُجمع الكبالا على قاعدة أولى لا خلاف فيها:
الإرادة العليا أرادت أن تُحسن.
أي أن الخلق لم ينبع من نقص، ولا من حاجة، ولا من رغبة في السيطرة، بل من إرادة الخير الخالص.
غير أن الخير — بحسب هذا المنهج — لا يُقاس بكمّيته، بل بكيفيّة تلقيه. فالخير الذي يُعطى دون استحقاق يحمل في داخله نقصًا خفيًا، حتى لو بدا كاملًا في ظاهره. وهذا النقص هو ما عبّر عنه الحكماء بمفهوم عيب العار.
عيب العار: لماذا العطاء المجاني ليس كمالًا؟
قال الحكماء:
«من يأكل ما ليس له، يخاف أن ينظر إلى وجهه».
هذا التعبير لا يُقصد به الخوف الحسي، بل العار الوجودي؛ أي شعور الكائن بأنه يعيش على جهد غيره، وأن ما بين يديه لا ينبع من كيانه ولا من سعيه.
في المنهج الكابالي، هذا الشعور يُعدّ نقصًا جوهريًا، لأنه يُفقد الإنسان صورته الكاملة ككائن واعٍ مستقل.
فالمخلوق الذي يتلقى كل شيء دون مشاركة، ودون جهد، ودون عمل داخلي، يبقى — مهما نال — ناقصًا في الإحساس بالذات، وغير قادر على النظر إلى نفسه كمالك حقيقي لما لديه.
ولهذا قيل إن العطاء المجاني، رغم كماله الظاهري، يحمل في داخله بذرة نقص.
لماذا وُجد العمل إذن؟
هنا نصل إلى لبّ الجواب الكابالي:
خلق الخالق واقعًا فيه نقصٌ مقصود، لا لأنه يحتاج إلى إصلاح، بل ليمنح الإنسان فرصة الإصلاح.
فالعمل في التوراة والميتزفوت (الوصايا) ليس عبئًا بلا معنى، ولا اختبارًا تعسفيًا، بل هو الوسيلة الوحيدة التي يتحوّل بها العطاء إلى استحقاق.
من خلال العمل:
-
يتحوّل الخير من “هدية” إلى “ثمار جهد”
-
ويتحوّل الإنسان من متلقٍ سلبي إلى شريك واعٍ
-
ويزول عيب العار، لأن المتعة تصبح نابعة من السعي لا من المنح المجاني
الخلق الناقص: كمالٌ مقصود لا خلل
تُعلّمنا الكبالا أن الخالق — ظاهريًا — “قيّد” قدرته أثناء الخلق.
لا بمعنى العجز، بل بمعنى الاختيار.
اختار ألا يخلق الإنسان في حدود كماله المطلق، بل في حدود ما قصده له: كائنًا قادرًا على الاكتمال الذاتي.
فلو خُلق الإنسان كاملًا منذ البداية، لكان كماله مفروضًا عليه، لا نابعًا منه.
أما حين يُخلق ناقصًا، ثم يُمنح طريقًا للتكميل، يصبح الكمال مكافأته الحقيقية، لأنه ثمرة سعيه، لا عطية مفروضة.
التوراة والميتزفوت: أدوات التكميل لا شروط القبول
في هذا السياق، لا تُفهم التوراة والوصايا بوصفها شروطًا تعجيزية، ولا قوانين عقابية، بل أدوات هندسية لإعادة بناء النفس.
كل عمل، وكل التزام، وكل تصحيح:
-
يرفع الإنسان درجةً في الإدراك
-
ويحوّل جزءًا من رغبته من الأخذ إلى العطاء
-
ويقربه من التشابه في الصفات، وهو جوهر الالتصاق (Dvekut)
فالغاية ليست الطاعة الشكلية، بل التحوّل الداخلي الذي ينتج عنها.
لماذا خُلق هذا العالم المادي الثقيل؟
قد يُطرح سؤال آخر:
إذا كان الغرض إسعاد المخلوقات، فلماذا خُلق هذا العالم المادي المليء بالتعب، والحدود، والمعاناة؟
ألم يكن بالإمكان إسعاد النفوس في عوالم عليا دون إدخالها في هذا “الجوف الثقيل”؟
الجواب الكابالي واضح:
لأن هذا العالم هو ميدان العمل.
هو المكان الوحيد الذي يمكن فيه تحويل النية إلى فعل، والرغبة إلى سلوك، والمعرفة إلى اختبار.
ففي العوالم العليا، يكون العطاء مباشرًا، لكن بلا استحقاق.
أما في العالم المادي، فكل خطوة تُبنى بالجهد، وكل ثمرة تُقطف بعد صبر، وبذلك تزول صفة العار، ويكتمل الإحسان.
الاستحقاق والمكافأة: وجهان لحقيقة واحدة
في الكبالا، الاستحقاق والمكافأة ليسا أمرين منفصلين:
-
الاستحقاق هو المشاركة في العمل
-
والمكافأة هي اكتمال الكيان
فالإنسان يُكافأ لأنه شارك، ويشارك لأنه مدعوّ للكمال.
وعندما يبلغ هذا المقام، لا يشعر بالمتعة كشيء أُعطي له، بل كشيء هو جزء منه.
وهنا يتحقق المقصود النهائي:
أن يسعد الإنسان بسعادة لا يرافقها خجل، ولا نقص، ولا شعور بالدونية.
الخلاصة: لماذا كُلِّفنا بالخلق؟
كُلِّف الإنسان بالعمل، لا لأن الخالق احتاج إلى من يعمل،
بل لأن الإنسان لا يكتمل إلا بالعمل.
خُلقنا ناقصين:
-
لا لنُهان
-
ولا لنتعذّب
-
بل لنصير كاملين بحق
وخُلق هذا العالم:
-
لا ليكون سجنًا
-
بل ميدان استحقاق
فغاية الخلق، بحسب الحكمة الكابالية، ليست أن نأخذ، بل أن نصير أهلًا لما نأخذ.
وليست أن نُمنح السمو، بل أن نبلغه بوعينا، وجهدنا، وتحولنا الداخلي.
حقوق النشر وإخلاء المسؤولية
© جميع الحقوق محفوظة – مرجانة برو | MARJANA.PRO
إعداد وتحرير: حكيم روحاني
هذا المحتوى تعليمي فلسفي كابالي، يُقدّم قراءة معرفية في معنى الخلق والعمل الروحي، ولا يُعدّ فتوى دينية، ولا علاجًا نفسيًا، ولا وعدًا بنتائج محددة.
يُمنع نسخه أو إعادة نشره أو استخدامه بأي صورة دون إذن خطّي مسبق.
اكتشاف المزيد من مرجانة برو – Marjana Pro
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.