الغاية من الخلق بحسب الكبالا: من البُعد إلى الالتصاق
ما الغاية من الخلق؟
دراسة كابالية شاملة في معنى الوجود، العوالم، والإنسان
لم يكن الخلق حدثًا عابرًا، ولا تشكّل الكون نتيجة حركة عمياء أو صدفة زمنية. فبحسب المنهج الكابالي، يقوم الوجود كلّه على قصد سابق، وحكمة دقيقة، ونظام محكم تتدرّج فيه العوالم من الأعلى إلى الأسفل، لا لتبتعد عن الأصل، بل لتُمهّد طريق العودة الواعية إليه. إن سؤال «ما الغاية من الخلق؟» ليس سؤالًا فلسفيًا مجردًا، بل هو مفتاح فهم الإنسان لذاته، ولموضعه الحقيقي في شبكة الوجود.
في الكبالا، لا يُنظر إلى الإنسان ككائن صغير داخل كون شاسع، بل باعتباره مركز الغاية، وحامل المقصود، والنقطة التي يكتمل عندها معنى الخليقة. فالعوالم، على اختلاف درجاتها وتسمياتها، لم تُنشأ لأجل ذاتها، وإنما خُلقت لتخدم مسارًا واحدًا: مسار إصلاح النفس وارتقائها حتى تبلغ درجة الإدراك والالتصاق.
مركزية الإنسان في فكر الخلق
تُعلّمنا الكبالا أن الإنسان هو الغاية من الخلق، لا بمعنى التفضيل الجسدي أو العرقي، بل من حيث القدرة على الوعي والاختيار. فالكائنات الأخرى تعمل ضمن نظامها الفطري دون خروج أو صعود، أمّا الإنسان فقد مُنح حرية الحركة بين النقص والكمال، وبين البُعد والقرب.
لهذا السبب، بُنيت جميع العوالم كبيئات مساعدة، لكلٍّ منها وظيفة محددة في خدمة النفس الإنسانية. فالعالم المادي ليس أدنى على سبيل الاحتقار، بل هو أدنى من حيث الكثافة، لأنه ميدان العمل، ومسرح الفعل، ومحلّ الاختبار. ومن خلاله تبدأ رحلة الصعود الحقيقي.
العوالم والدرجات: بنية السُلّم الروحي
تصوّر الكبالا العوالم على أنها درجات متتابعة، تشبه سُلّمًا غير مرئي. كل درجة تمثّل مستوى من القرب أو البُعد، لا من حيث المكان، بل من حيث الصفات. فكلما غلبت صفة الأخذ، كان البُعد أوضح، وكلما سادت صفة العطاء، ازداد القرب.
هذا التدرّج ليس عقابيًا، بل تربوي. فالهبوط من عالم إلى آخر لم يكن سقوطًا، بل إعدادًا. والروح حين نزلت إلى العالم المادي لم تفقد جوهرها، بل غطّته لتتمكّن من العمل بحرية. فالستر شرط الاكتساب، كما أن الظلمة شرط إدراك النور.
معنى البُعد في المنهج الكابالي
لا يُفهم البُعد عن الإلوهية في الكبالا بوصفه انفصالًا حقيقيًا، لأن الانفصال الكامل غير موجود. وإنما هو اختلاف في الإدراك، وحجاب في الشعور. فكلما ازداد الإنسان انغماسًا في الأنا والرغبة، ثقل عليه الإحساس بالمصدر.
لكن هذا البُعد نفسه هو الذي يُنتج الشوق، ويُحرّك السعي، ويُنشئ السؤال. ولو لم يشعر الإنسان بالنقص، لما بحث عن الكمال. ولهذا فإن البُعد مرحلة ضرورية في طريق الإصلاح، لا نقيضًا له.
الروح والجسد: أداة العمل لا سجنها
بحسب الكبالا، لم يُلبَس الجسد على الروح ليكون قيدًا دائمًا، بل ليكون أداة عمل. فالجسد هو المكان الذي تتحوّل فيه النوايا إلى أفعال، والمعاني إلى سلوك. ومن خلال الاحتكاك اليومي بالحياة، تتجلّى حقيقة الصفات الداخلية.
الروح، وهي في الجسد، تُمنح فرصة نادرة: أن تعود إلى أصلها وهي واعية، لا منسحبة. فالعودة الكاملة ليست هروبًا من المادة، بل إصلاحًا لها من الداخل، وتحويلها إلى وعاء صالح للنور.
من إرادة الأخذ إلى صورة العطاء
تصف الكبالا جوهر العمل الروحي بأنه انتقال تدريجي من إرادة الأخذ إلى إرادة العطاء. ففي بدايته، يولد الإنسان متمركزًا حول ذاته، مدفوعًا بالرغبة في الامتلاك والسيطرة. وهذا ليس خطيئة، بل نقطة البداية الطبيعية.
لكن مع الوعي والعمل، يبدأ التحوّل. في كل درجة، يُطلب من الإنسان أن يتخلّى عن شكل من أشكال الأنانية، وأن يُعيد توجيه رغبته لتكون وسيلة نفع لا أداة استحواذ. وكلما تغيّرت الصفة، تغيّر موضع الإنسان في السُلّم.
الالتصاق: الغاية النهائية من الخلق
الالتصاق في المفهوم الكابالي لا يعني الذوبان أو الفناء، بل التشابه في الصفات. فعندما تتوافق إرادة الإنسان مع الإرادة الإلهية في جوهرها، يتحقق القرب الحقيقي. وهذا القرب لا يُقاس بالشعور العاطفي وحده، بل بالثبات، والانسجام، واستقامة السلوك.
في هذه المرحلة، يصبح الإنسان شريكًا في المعنى، وحاملًا للنور، ومظهرًا للحكمة في العالم السفلي. وبهذا يكتمل الغرض من الخلق، إذ يظهر المقصود في الواقع، لا في العلو فقط.
اكتمال الغاية واستمرار المسار
لا ينتهي مسار الكمال عند حدّ معين، لأن الإدراك دائم التوسّع. فالغاية ليست نقطة زمنية، بل حالة وجودية. وكل درجة يصل إليها الإنسان تفتح أمامه أفقًا أوسع، ومسؤولية أعمق.
لهذا خُلقت العوالم، ولهذا وُجد الإنسان، ولهذا استمرّ الوجود. ليس ليكون مسرحًا للضياع، بل مدرسة للارتقاء. وليس ليبقى الإنسان في النقص، بل ليصير أهلًا للوصل، وحاملًا للمعنى، ومرآةً للغرض الإلهي في الخلق.
© جميع الحقوق محفوظة – مرجانة برو | MARJANA.PRO إعداد وتحرير: حكيم روحاني هذا المحتوى أصلي وخاص بموقع مرجانة برو، ويُمنع نسخه أو إعادة نشره أو استخدامه بأي صورة دون إذن خطّي مسبق.
اكتشاف المزيد من مرجانة برو – Marjana Pro
اشترك للحصول على أحدث التدوينات المرسلة إلى بريدك الإلكتروني.